الشيخ السبحاني

121

مع الشيعة الإمامية في عقائدهم

الأثر التربوي للاعتقاد في البداء : الاعتقاد بالمحو والاثبات ، وانّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله ، لا بد من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهّر ، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه . فتشريع البداء ، مثل تشريع قبول التوبة ، والشفاعة ، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر ، كلّها لأجل بعث الرجاء وايقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة ، حتى لا ييأسوا من روح اللَّه ، ولا يتولّوا بتصور أنّهم من الأشقياء وأهل النار قدراً ، وانّه لا فائدة من السعي والعمل ، فلعلم الانسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو والاثبات ، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، يسعد من يشاء ، ويشقى من يشاء « وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية » لأنّ العبد لو تاب ، وعمل بالفرائض ، وتمسّك بالعروة الوثقى ، فإنّه يخرج من سلك الأشقياء ، ويدخل في صنف السعداء ، وبالعكس . وهكذا فإنّ كلّ ما قدر في حقّه من الموت والمرض والفقر والشقاء يمكن تغييره بالدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وإكرام الوالدين ، وغير ذلك ، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهية لأجل بث الأمل في قلب الانسان ، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته وأخبار الهداة . وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة المسلمين ، وإن غفل عن معناه الجمهور ( ولو عرفوه لأذعنوا له ) . وأمّا اليهودخذلهم اللَّه‌فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم ، ولأجل ذلك قالوا : يد اللَّه مغلولة عن القبض والبسط ، والأخذ والإعطاء ، وبعبارة أُخرى : فإنّهم يذهبون إلى أنّ للانسان مصيراً واحداً لا يمكن تغييره ولا تبديله ، وانّه ينال ما قدّر له من الخير والشر .